صالح الرزوق: ظاهرة جيل الحداثة الأول في الشعر السوري

صالح الرزوق

لا يوجد اتفاق حول ظاهرة الشعر السوري في الستينات، أو جيل الحداثة الثالث، فقد بدأ بعد اكتمال تجربتين:

الأولى لرموز الحداثة في العراق (السياب والبياتي والملائكة. ويحتم علي الواجب إضافة اسم محمود البريكان وهو من الأصوات المغدور بها وقد تم تعليق ملفاته لأسباب غير فنية).

الثانية رموز تجديد الحداثة في لبنان (وطبعا على رأسهم يوسف الخال وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا).

واكبت الظاهرة السورية الموجات السابقة ولكن نأت بنفسها عن قوانين التجربة. ويمكن القول إنها ابتعدت عن نغمة النواح والبكاء العراقية، ما اسميه المونولوج السومري الذي يجد خلفياته في ألواح أسطورة جلجامش وبكائيات السبي البابلي. وغني عن الذكر أن أحداث الفرهود تركت بصمة غامضة على عقل الحداثة في العراق، وربما أعود لهذا الموضوع لاحقا. وفي نفس الوقت تركت الظاهرة منطقة رمادية عزلتها عن المنطق الرعوي الذي تبناه اللبنانيون. والحقيقة أن رعوية لبنان لم تكن إلا إعادة اكتشاف لحضارة مائية تسعى جهدها للمساواة بين الأضداد: وعلى وجه الخصوص المرتفعات والمنخفضات. وكانت المرتفعات تتطور بإطار رموزي والمنخفضات بإطار كنائي أو بشكل استعارة تامة. ولا يغيب عن الذهن أن كل ثقافة برية تنظر بالضرورة للبحار والمحيطات من أعلى (والإشارة هنا للمصطلح الجغرافي الذي يهتم بارتفاع اليابسة عن سطح البحر. ويعتبرها خاصية ذات معنى بيئي ونفسي). لكن جيل الستينات في سوريا بدأ من التفسير الاجتماعي للطبيعة. ولذلك هناك اختلاف بين ذات الشاعر وطريقة إدراكه لقانون عصره. بتعبير آخر لم تتبلور أفكار تاريخية في التفكير الشعري ولكن تأويلات لظواهر لها علاقة بالتفسير التاريخي.

ولو نظرنا لمجموعة مبكرة لمحمد عمران وهي “أغان على جدار جليدي” 1968 سنلاحظ مباشرة أنه بنى منطقه على فكرة صراع الأجيال. في حين اكتفى علي الجندي في أولى مجموعاته وهي “الراية المنكسة” 1962 بالبناء على الاختلاف بين الذات النوعية ومفهوم الشعر التقليدي. فقد التزم ببحور الشعر العربي دون أن يلتزم بحبكته ولا مضامينه. ولذلك تطور محمد عمران باتجاه يوتوبيا تتصالح بها الأجيال، وتتكاتف كي...

سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية